حسن الأمين
92
مستدركات أعيان الشيعة
أقبحها ويعتمد أصلحها ، فإنه باب عظيم من أبواب السياسة . باب سياسة الخاصة 19 - اعلم أن سياسة الخاصة ليست كسياسة العامة ، لأن سياسة العامة استحفاظ طاعتها ، وإقامة الرغبة والرهبة فيها ، وإفاضة المعدلة عليها ، من غير أن يحدث نفسه إلزامها الآداب الصالحة ، فان ذلك عسير لا يرام . لكن الخاصة يجب أن يعتنى بإصلاح أخلاقها ، وتهذيب آدابها ، لتقوى على حقوق الخدمة التي تلزمها . وإذ كانت للرئيس ، فهي كالأعضاء للبدن ، فمتى لم تكن الأعضاء على الهيئة الفاضلة ، أو عرض لها أمر يثني كلها أو بعضها عن فعله الأصلي الموظف له ، وقع الاضطراب في جملة البدن . 20 - وأول ما يجب اعتقاده في هذا الباب أن السائس لا يستغني عن تثقيف خاصته ، وتفقد أحوالهم ، وتقويم زيفهم ، وإن كانوا حصفاء أسدادا . مثله في ذلك كالصانع الذي يحتاج في صنعته إلى آلات ، وتلك الآلات لا يجوز أن تبقى على حالها مستقيمة بل منها ما يكل فيشحذه ، ويعوج فيقومه ، ويفسد فيصلحه . وكذلك السائس يجب أن تكون له عين راعية ، تتفقد أصحابه ليتلطف في تثبيت صلاحهم ونفي فسادهم بما يتهيأ . ومما يحتاج إليه في هذا المعنى أن لا يعتقد أنه إن استغنى أو استكفى كافيا أمرا يهمه ، فقد استغنى عن تفقده وتعهده ، بل يجب أن يتصور أنه مضطر إلى مراعاته ، وملاحظته بنفسه ، كالأستاذ في الصنعة ، الذي يكل إلى تلاميذه ما يصنعونه ، إلا أنه يراعيهم ليأمن خللا يجري فيه . وهذا أصل عظيم ينبغي أن يوقف الفكر عليه والاهتمام به . 21 - ويجب أن يستخدم خواصه على المخالصة والمحبة الصرف بلا مزاج ، وطريقة أن يستعمل معهم أربع خصال . أولها : الإحسان إليهم ، فقد « جبلت القلوب على حب من أحسن إليها » ، وأن يتفقد أحوالهم فيلم شعثها ابتداء قبل المسألة ، ليدل على خلوص الاهتمام ولطف العناية . فان قليل الابتداء أهنا وأحسن موقعا من كثير العطاء بعد السؤال . وثانيها : بسط آمالهم بالعفو عن الزلل . والثالث : أن لا يستقصي عليهم في أزمنة خدمتهم ، حتى لا يجدد ترحة لراحة نفوسهم ولذاتهم . ولكل إنسان وطر يجب أن يقضيه ، ويتنغص عيشهم بمناقشته فيه ، ويلحقهم بالاستقصاء ضجر وملال ، يفسد الخدمة . فإذا ساهلهم الرئيس بعض المساهلة كانوا في خدمته أنشط ، ومحبته أبدا في قلوبهم تنمي وتتجدد . والرابع : أن يؤمنهم إسراعه إلى قبول كثير من ثقل الأصحاب . وأقل ما يوجد في الناس الكافي الأمين ، فإذا اجتمعا فهو الجوهر الثمين : 1 - فاما كاتب الرسائل فمن يوثق بكتمانه ، بليغ في بيانه ، فان العبارة الحسنة تؤثر آثارا عجيبة في القلوب ، ويكون متفننا في العلوم ، وأن يطالب فيوجد عنده علم كل ما ورد إليه وصدر عنه ، في أوقاته . 2 - وأما الحاجب فطلق الوجه مقبول الشمائل محبب ، ليوصل من يصل بإكرام ، ويصرف من لا يؤذن له برفق ولطف كلام . ويجب أن يعرف طبقات الناس كلها ، لينزلهم منازلهم ، ويطالب بانهاء كل من يحضر في وقته . 3 - وأما جابي الأموال فحسن المعاملة للرعية ، منصف منتصف ، مع طلق نفس ، وطبيعة في التمشية والرفق ، وأن يعتبر في كل وقت بمسألته عن دخله وخرجه . 4 - وأما قائد الجيش فيكون شجاعا فارسا عارفا بآلات الجندية ، ذا حظ من الرأي ، ويطالب بمعرفة أحوال الجند المضمومين إليه ، ليعرف الحاضر من الغائب ، ويلزمهم الباب ، في أكثر الأوقات ، بالعدد التامة ، ليرهب بذلك رسل الملوك ، وجواسيس الأعداء . 5 - وصاحب الشرطة مهيب المنظر عبوس ، جليل في العيون ، غير ذي دعابة معروفة ، ويؤخذ بالاشتداد على أهل الريب ، ويتتبعهم في مكامنهم ، صاحب ثقة معروف بالصدق ، ناصح أمين ، معتدل الطبائع ، قليل العلق في المعاملات ، ولا يقيل عثرة من كذب بنهيه ، فان التدبير كله على قوله : 6 - والحاكم يجب أن يكون عالما عاقلا مأمون الباطن غني النفس . 7 - والمحتسب أمين ثقة حميد السيرة عارف بوجوه المكاسب والغشوش ومصالح الرعية . ومظالم الناس صنفان : صنف ظاهر كالفسق المجاهر به ونحوه ، وصاحب الشرطة يتولاه . وصنف مكتوم ، والمحتسب يتولاه . وربما كانت مظالم هذا النوع أعظم ضررا من النوع الآخر لأنها خافية لا يهتدى إليها . 8 - والمختار المتوجه في الرسائل حسن الرواء ، مقبول ناصع اللسان حافظ لما يقوله ولما يقال له ، يؤمن في التحريف والتمويه . باب سياسة العامة 22 - العامة هي الموضوع الذي بكثرته يتسع الملك ، وكلما كثروا كان الملك أوسع . وإصلاح العامة عسير لكثرتهم ، وقلة التمكن من مداواة الفساد العارض فيهم . فان الملك ، عند اضطرابهم ، إن رام شفاء غيظه منهم لم يتم له ذلك ، إلا بخراب بعض العمارة ، وبلوغ ما زعزع من أركان السياسة . فليجتهد في حفظ نظامهم ، وأن لا يحوجوا إلى بلوغ هذه الغاية فيهم . 23 - ويستدل على حزم الملك بحسن سياسة الرعية ، وجمع كلمتهم على طاعته ، للتباين الموجود في أهوائهم . وإن الشدة والعنف لا تصلحهم ، واللين والمساهلة لا تجوز في معاملتهم ، فمنهم من تفسده الكرامة ، ومنهم من تفسده الإهانة . 24 - وأول ما يجب في سياستهم : معرفة طبقاتهم ، وتمييز سرواتهم ، فيطالبهم بالخدمة له ، والسعي إلى بابه ، إلا من ظهر عذره وبان عجزه . ولا يجوز للزهاد والعلماء الانقطاع عنه ، إلا من وقعت اليمين الخالصة بانقطاعه إلى الله تعالى بالكلية واعتزال الكافة . ويترك ما تختلط به الرعية ، كأبي علي ابن أبي الهيش على شأنهم ، والتبرك بدعائهم والحذر من الإثم فيهم . وأما من دونهم ، من المتشبهة بهم ، فليوسعوا عدلا واستخداما ، ولا يكونوا من التصون عن مجالس الملوك ، والسعي إلى أبوابهم ، فان في ذلك